غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
19
تاريخ مختصر الدول
الله لموسى : قل لبني إسرائيل يفردون لي ذهبا وفضة ونحاسا وثياب أرجوان وقزا وإبريسما ومرعزّى وأديما وخشب شمشار ويعملون لي مسكنا بينهم زمان تقلَّبهم خارج ارض الميعاد ويكون أخوك هارون وبنوه يلهبون السرج فيه من العشاء إلى الصباح . فعملوا كما أمرهم الله تعالى وسار بنو إسرائيل وموسى امامهم يعدّ لهم منزلا . وتغطرس هارون ومريم على موسى لأجل زوجته الزنجية وقالا : ألعلّ موسى وحده كلمه الله فمعنا أيضا قد تكلم . فقال لهما الله : ان تمّت نبوؤتكما فاني سرا أتجلى عليكما واما موسى فقد ائتمنته على بيتي ومن فم لفم أكلَّمه . وعند ذلك برصت مريم وابيض جسمها كالثلج . وتضرع موسى إلى الله ان يطهّرها . فقال الله : لو أن أباها تفل في وجهها لكان يجب ان تستحي منه فلتنعزل عن الحلَّة سبعة أيام ثم تدخل . ففعلت وطهرت . فجاء بنو إسرائيل إلى البرّ المعروف بصين . وماتت هناك مريم أخت موسى وهارون ودفنت حيث توفيّت . ثم جاؤوا إلى جبل هور ومات هناك هارون وولي مكانه ايليعازر ابنه . ولما عبر بنو إسرائيل نهر الأردنّ قال الله : يا إسرائيل ان عملت بوصايا إلهك بوركت في قريتك بوركت في حقلك بورك ثمار كرومك وولد بعيرك يسلم الله عدوك في يديك ويجيئك من طريق واحد ويهرب في سبع طرق يبارك الله الأرض التي يعطيك ويجعلك له شعبا مقدسا كوعده لك . وان خالفت هذه الوصايا تنقلب بركاتك لعنات ويبددك الله في جميع الأمم ويعطيك قلبا فزعا ووجع العين ورماك بالنيّط وتكون مرعوبا بالليل والنهار . أقول تأمل أيها القارئ كيف جعل الله وعده ووعيده لبني إسرائيل مقصورين على ما يرونه في دنياهم من غير أن يذكر لهم شيئا من أحوال الآخرة وأمور المعاد وذلك لغلظ طباعهم وقصورهم عن النظر إلى العالم الروحانيّ . ثم أوحى الله إلى موسى قائلا : ها أنت ماض في طريق آبائك فادع يوشع بن نون تلميذك وأوصه بان يقوم بتدبير هذا الشعب فاني اعلم أنه يضل بعد موتك ويتخذ الأصنام ويعبدها فيحل غضبي بهم فيلحقهم بؤس وذل . ولست أورثهم ارض الجبابرة المغلة عسلا ولبنا من قبل ورعهم وصلاحهم لكن لسوء اعمال سكانها قبلهم ولما وعدت به آباءهم إبراهيم وإسحق ويعقوب . فلما فرغ موسى مما أوصى به يوشع بن نون خاصة وبني إسرائيل عامة أصعده الله إلى جبل نابو وأراه ارض كنعان وهي ارض الميعاد التي سيورثها لبني إسرائيل . ومات هناك ودفنته الملائكة من غير أن يعرف له قبر إلى آخر الدهر . وكانت سنّه مائة وعشرين سنة ولم يضعف بصره ولم تتشنج وجنتاه . ويوشع بن نون امتلأ روح الحكمة بوضع موسى يده عليه وأطاعه بنو إسرائيل . فمن آدم إلى وفاة موسى على الرأي